المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الديمقراطية


عويس القلنسي
01-04-2011, 02:48 PM
واحة الديمقراطية، و صحراء الدكتاتورية

إن الديمقراطية كالمطر تهطل على الأرض الموات فتحييها و تنعشها وتحيلها جنة غناء تهفو إليها النفوس الحرة، كما تهفو الطيور إلى الواحة الخضراء الورافة الظلال..
و البلاد التي تنعم بالديمقراطية الحقيقية قليلة في هذا العالم، و كذلك الواحات الخضراء قليلة و نادرة في الصحراء..
في البلاد الديمقراطية يتحدث الإنسان بما شاء و كما شاء عن نفسه، و عن الأخرين و عن الأشياء من حوله، و عن الكون و الدين و الحياة، فيقول ما يجول في خاطره بملئ فمه و ينتقد و يشيد و يلهج لسانه بالثناء و الذنب، و يعبر عما يمور في خلجات نفسه و يكمن في خفايا ضميره بكل حرية، و يغني و يصرخ بأعلى صوته، و يخطئ و يصيب و يقول و يفعل و يتجاوز كل الخطوط الحمراء و الصفراء و الخضراء، كما شاء و متى شاء دون خوف أو وجل، لذلك الناس في تلك البلاد أقل خبثا و حقدا و أقل حسدا و نميمة و أقل قيل و قال، و أكثر عملا و إنجازا و إبداعا، و أكثر إنفتاحا و تقبلا للآخر..
و كذلك الطيور ترفع عقيرتها بالغناء صداحة في الواحة الخضراء الآمنة المطمأنة دون الخوف من الصياد.
و الحرية هي الفطرة الأولى التي فُطِرَ عليها الإنسان منذ أول خطواته على هذه الأرض، قبل وجود القوانين و القواعد و الأنظمة و اللوائح التي وضعها الإنسان بنفسه لنفسه، لتنظّم و تقوّم حياته، و تجعله أكثر تحضّرا و تقدّما، و لكنها ما لبثت أن تحولت إلى قيود تكبل حريته، و سلاسل تعيق إنطلاقته، و حدود تحدّ من تحليقه عاليا في فضاء الحرية الرحبة، التي تشغّل دماغه، و تحرّك جوارحه، و تطلق كل طاقاته الكامنة البدنية، و الفكرية، و الإبداعية، و الأخلاقية، إلى أقصى مداها.. و هو ما جعل الغرب ينطلق إلى الأفاق و يخترق طبقات الغلاف الجوي و الفضاء الخرجي ليهبط على سطح القمر ويرفع راياته ليجعلها ترفرف فوق هضابها، و عينه ترنو إلى أقاصي الكون و أبعد الكواكب و المجرات الكونية..
بينما مازال الإنسان في بلاد الأقل ديمقراطية يرزح تحت المسموح و الممنوع،
لتغدو هذه القوانين نقمة بدلا من نعمة، لأنها تجاوزت الحد، و أسرفت في ذلك أيما إسراف، و قيل أن كل شيء إذا تجاوز حده أنقلب ضده..
و حتى الدين أستطاعوا تحويله إلى أداة قمع و خوف و رعب، و هو الذي جاء رحمة للإنسان لتطمأن به القلوب الخائفة، و تستريح به النفوس المتعبة، فإذا أبدئ الإنسان رأيه الصريح بأي أمر من أمور الدين أتهموه بالزندقة أو الهرطقة، و إذا تمنطق بحزامه و لبس زانته خارجا للقتال دفاعا عن الدين أو ذودا عن حياض الوطن أتهموه بالإرهاب..
و إذا تململ ضيقا بالأوضاع السائدة، أو حتى ظهرت على وجهه علامات الضيق حتى و لو لم ينبس ببنت شفة، أبتدعوا له تهمة جاهزة من خيالهم الواسع، و الملئ بالتهم و الشرور..
فلا مفر إذن من قوانينهم إلا أن يلوذ الإنسان بالسكوت المطبق و يهرب إلى الصمت المميت، و يتخلى عن حريته في التعبير و عن وجوده و أرائه و كينونته و كيانه الإنساني، بل و ينسى صفته الناطقة..
في البلاد الديمقراطية يتوفر الغذاء و الرفاهية، و كذلك الواحة الخضراء مليئة بالأزهار و الحبوب..
أما البلاد الدكتاتورية فهي أشبه ما تكون بالصحراء الجرداء القفرة المقفرة، فهي فقيرة الخيرات، قليلة الموارد بالكاد تكفي للراعي دون الرعية..
و كذلك عديمة الحريات يعيش الإنسان فيها خائفا مطاردا تتربص به العيون الأمنية من كل حدب وصوب..
و يخيم على شعبها الصمت و الوجوم و الخوف و الحذر و الترقب و إنتظار الأسوء من الأمور..
و هي مليئة بأجهزة الرصد و التنصت، لذلك قالوا للجدران أذانها، و كذلك الصحراء مليئة بالوحوش الجائعة و المتربصة، لذلك الطيور تتوقف عن الغناء خوفا من الضواري..

عويس القلنسي